الاسلام والدين البهائي
Islam and the Bahá’í Faith


تحري الحقيقة


السعي والبحث الشخصي لابد منه لكل طالبي الحقيقة، ويجب أن "نتبين" في كل الأمور قبل تصميم الآراء:


"يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين". (الحجرات آية ٦)


"وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمناً". (النساء آية ٩٤)


"وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب". (غافر آية ٢٨)


والآن لننظر الى متطلبات الباحثين وكيفية تحري الحقيقة:


﴿ بسم ربنا العلي الأعلى ﴾

"الباب المذكور في بيان أن العباد لن يصلوا إلى شاطئ بحر العرفان إلا
بالانقطاع الصرف عن كل من في السموات والأرض. قدسوا
أنفسكم يا أهل الأرض لعل تصلن إلى المقام الذي
قدر الله لكم وتدخلن في سرادق
جعله الله في سمآء البيان
مرفوعا".


جوهر هذا الباب هو أنه يجب على السالكين سبيل الإيمان والطالبين كؤوس الإيقان أن يطهروا أنفسهم ويقدسوها عن جميع الشؤونات العرضية - يعني ينزهون السمع عن استماع الأقوال، والقلب عن الظنونات المتعلقة بسبحات الجلال، والروح عن التعلق بالأسباب الدنيوية، والعين عن ملاحظة الكلمات الفانية، ويسلكون في هذا السبيل متوكلين على الله ومتوسلين إليه، حتى يصبحن قابلين لتجليات إشراقات شموس العلم والعرفان الإلهي، ومحلا لظهورات فيوضات غيب لا يتناهى. لأن العبد لو أراد أن يجعل أقوال العباد من عالم وجاهل، وأعمالهم وأفعالهم ميزانا لمعرفة الحق وأوليائه فإنه لن يدخل أبدا رضوان معرفة رب العزة، ولن يفوز بعيون علم سلطان الأحدية وحكمته، ولن يرد منزل البقاء، ولن يذوق كأس القرب والرضا. (بهاء الله - كتاب الإيقان)


"ولكن يا أخي، إن الشخص المجاهد الذي أراد أن يخطو بقدم الطلب والسلوك في سبيل معرفة سلطان القدم، يجب عليه في بداية الأمر، أن يجعل القلب الذي هو محل ظهور تجلي الأسرار الغيبية الإلهية، مطهرا ومنزها عن كل غبرة مظلمة من غبار العلوم الاكتسابية، وإشارات المظاهر الشيطانية. ويجعل الصدر الذي هو سرير ورود وجلوس محبة المحبوب الأزلي لطيفا ونظيفا. وكذلك يقدس القلب عن كل ما يتعلق بالماء والطين. يعني أن يجعله مقدسا عن جميع النقوش الشبحية والصور الظلية، بدرجة لا يبقى في القلب آثار للحب والبغض، كيلا يميل به الحب عن جهة أو يمنعه البغض عن جهة بلا دليل. وذلك كما منع اليوم أكثر الناس لهذين الوجهين عن الوجه الباقي، وعن حضرة صاحب المعاني، وأصبحوا يرتعون بلا راع في صحارى الضلالة والنسيان. ويجب على السالك في كل حين أن يتوكل على الحق، وأن يعرض عن الخلق وينقطع عن عالم التراب، ويتمسك برب الأرباب. ولا يرجح نفسه على أحد، ويمحو عن لوح قلبه الافتخار والاستكبار، ويأخذ نفسه بالصبر والاصطبار، ويتخذ الصمت له شعارا. ويحترز عن التكلم بما لا فائدة فيه، لأن اللسان نار خامدة وكثرة البيان سم قاتل. فالنار الظاهرة تحرق الأجساد، ونار اللسان تكوي الأفئدة والأرواح. أثر تلك النار يفنى بعد ساعة، وأثر هذه النار يبقى قرنا من الزمان.


وعلى السالك أن يعد الغيبة ضلالة، وأن لا يخطو بقدمه أبدا في تلك الساحة، لأن الغيبة تطفئ سراج القلب المنير، وتميت الحياة من الفؤاد. يقنع بالقليل، ويزهد عن طلب الكثير. يعد مصاحبة المنقطعين غنيمة، والعزلة عن المتمسكين بالدنيا والمتكبرين نعمة. يشتغل في الأسحار بالأذكار، ويسعى في طلب محبوبه بتمام الهمة والاقتدار. يحرق حجاب الغفلة بنار الحب والذكر. يفر كالبرق عما سوى الله. يجود بنصيب على البائسين، ولا يتوقف عن العطاء والإحسان للمحرومين. ينظر بعين الرعاية للحيوان، فكيف بالإنسان، وأهل البيان؟ لا يبخل بالروح عن المحبوب. ولا يحترز عن الحق خشية شماتة الخلق. وما لا يرضاه لنفسه لا يرتضيه لغيره، ولا يقول بما لا يفي به، ويعفو عن الخاطئين عند كمال القدرة عليهم، ويطلب لهم المغفرة ويصفح عن العاصين ولا ينظر إليهم بعين الحقارة، لأن حسن الخاتمة مجهول. إذ كم من عاص يتوفق حين الموت إلى جوهر الإيمان ويذوق خمرة البقاء ويسرع إلى الملأ الأعلى. وكم من مطيع ومؤمن ينقلب حين ارتقاء الروح، ويستقر في أسفل دركات النيران.


والخلاصة أن المقصود من جميع هذه البيانات المتقنة والإشارات المحكمة هو أنه يجب على السالك والطالب أن يعلم ويعتقد بأن ما سوى الله فان، وما دون المعبود معدوم.


وهذه الشرائط هي من صفات العالين، وسجايا الروحانيين، ذكرت في شرائط المجاهدين،وسير السالكين في مناهج علم اليقين. وبعد أن تتحقق هذه المقامات في السالك المنقطع، والطالب الصادق يصدق في حقه لفظ المجاهد. وإذا ما صار مؤيدا بعمل: ﴿وَالّذينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ فلا بد أن يستبشر ببشارة ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾". (بهاء الله - كتاب الإيقان)


%
تقدم القراءة